لماذا لا يشتبك "التنوير العربي" مع قوى الاستبداد والفساد؟

لماذا لا يشتبك "التنوير العربي" مع قوى الاستبداد والفساد؟
تونيزياليكس: 

تتصدى مؤسسات ثقافية وفكرية لتفكيك كثير من الأفكار والرؤى السائدة في التراث الديني، باعتبارها المسؤولة عن تكوين أنساق فكرية وثقافية تصفها بالمغلقة والإقصائية، والتي تشكل في نظرها أحد أهم معيقات النهضة في العالم العربي. 

ووفقا لمراقبين فإن تلك المؤسسات وهي تركز على استهداف التراث الديني، وتسعى لتفكيك كثير من رؤاه وأفكاره، تتغافل تماما عن منظومات الحكم الاستبدادية والفاسدة المتحكمة في مفاصل الحياة برمتها، والتي تتحمل قسطا كبيرا من مسؤولية تخلف العالم العربي وضعفه وتبعيته.

طبيعة عمل تلك المؤسسات التي تضطلع بمهمة التنوير في الفضاء العربي الواسع بحسب ما يروج لها مؤسسوها والقائمون عليها، تثير أسئلة حول قدرتها على إشاعة التنوير المأمول وهي تقصر نشاطها على نقد مقولات التراث الديني وتفكيك أفكاره، وإحجامها شبه التام عن الاشتباك مع أنظمة الفساد والاستبداد وما تشيعه من مظاهر التخلف في كثير من الدول العربية. 

من جهته وتعليقا على السؤال المثار حول طبيعة عمل مؤسسات "التنوير العربي"، قال الأكاديمي والكاتب الأردني الدكتور موسى برهومة: "من المفترض أن هدف التنوير، من حيث المبدأ، هو تعميم النور وإشاعته، لكن الواقع العربي يكبّل الأنوار ويزجّها في جملة محددات وإكراهات، فيفتح مسارات، ويغلق أخرى".

وأضاف: "فالتنوير في ضوء ذلك يخضع للسياسة واشتراطاتها، وللمحاور وأجنداتها، ما يفضي في النهاية إلى أنه لا يوجد تنوير نقي مائة بالمائة، بل محاولات لفتح كوى هنا أو هناك، خصوصا إذا كان تيار التنوير يعمل كمؤسسة، وليس كحركة أشخاص منفردين". 

وتابع حديثه لـ"عربي21" بالقول: "وبسبب ارتهاناته للسياسة، يصبح التنوير في العالم العربي مرتهنا للاستقطاب، فيحفر في التراث، ويمسح بأيد ناعمة على مظاهر الاستبداد، أو يغض الطرف عنها، وهذا أمر يصيب الأفكار في مقتل، وينزع عنها مصداقيتها". 

وأشار برهومة إلى أن: "هذا الأمر المفروغ منه يجعل الإنسان العربي أمام خيارات صعبة، فهل يعمل وفق آلية التنوير الانتقائية على قاعدة "ما لا يُدرك جُله لا يُترك كله"، أم يصمت ويراقب من خلف النافذة الحرائق والعواصف والانهيارات"؟. 

بدوره اعتبر الكاتب والباحث السياسي المصري، محمد جلال القصاص اتكاء "المثقف التنويري العربي" كلية على أدوات "المستبد الإعلامية والنظامية تجعله في حالة تبعية مطلقة، لذا فإنه لا يستطيع أن يتحرك ضد السلطة إلا فيما تسمح به السلطة، من باب تلميعها وإضفاء الشرعية عليها".

 

وطبقا للقصاص فإنه "لا يتصور خروج المثقف المعاصر على السلطة، ببساطة لأنه قد تم تكوينه بأدوات الدولة الحديثة، ومن يظهر منه الاعتراض يسحب من المنظومة حال الإعداد، ومن يتمرد بعد الإعداد تسحب منه الأدوات (الوظيفة، المنبر الإعلامي..)، لذا فإنه لا يتصور – غالبا – وجود المثقف التنويري إلا متوافقا مع السلطة، وضد الإسلاميين عدوهما المشترك". على حد عبارته. 

وأشار القصاص في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "حركات التغيير الحقيقية لا تكون إلا من الحالة الإسلامية فقط، وما سواها لا تعدو إحداث تغيير جزئي لن يخرج عن إطار الاستبداد، ولن يساهم في إخراج الأمة من حالة ذلها وتبعيتها للآخر غربيين وشرقيين". 

من جانبه رأى الكاتب الفلسطيني أحمد أبو ارتيمة أن "وظيفة الفكر هي جعل واقع الناس أقرب إلى العدل والقسط والمصلحة، وبناء على هذا المحدد يمكن محاكمة أي طرح إن كان فكرا جادا يحمل رسالة أو كان مجرد ممارسة لهواية الثرثرة أو لونا من ألوان اللغو". 

وقال في حديث لـ"عربي21": "في واقعنا الراهن هناك مشكلات كثيرة مثل الاستبداد والفقر وغياب العدالة الاجتماعية والحروب، والعصبيات الجاهلية، لذا فإن رسالة المفكر يجب أن تصب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في حل هذه المشكلات". 

واستطرد شارحا: "هناك من المفكرين من يختار أعظم الجهاد، فيتخذ مواقف صريحة من أنظمة الاستبداد ويخوض مواجهة في سبيل الدفاع عن حقوق الشعوب وحرياتها، هذا النوع من المفكرين هو الأكثر مصداقية وهو الذي يأخذ بالعزيمة" لافتا إلى أنه لا يريد أن يضيق واسعا، بوضع كل من لا يواجه الأنظمة في تصنيف واحد". 

وتابع: "فهناك من له اجتهاده في ذلك، يرى فيه تجنب الصدام مع السلطة التي تملك إيذاءه، وأن يستثمر المساحات المتاحة لإصلاح واقع الناس"، واصفا ذلك بـأنه "اجتهاد مقدر لأصحابه شرط ألا يصل إلى حالة الميوعة ومخادعة الناس، ونسيان المبادئ الرئيسة المتمثلة في تحقيق العدل". 

وشدد أبو ارتيمة على أن "ما لا يمكن تقديره هو أن يكون المثقف متناقضا، فيوسع التراث نقدا بحجة مخالفة الشخصيات التاريخية لمبادئ العدل بينما يهادن المستبدين اليوم، فتجده مثلا يلوم معاوية ويزيد بسبب الحسين، بينما ينحاز اليوم إلى من يستنون بسنة يزيد ومعاوية".

ووصف من يفعل ذلك بأنه "غير جدير بالمصداقية لأنه ترك معركته الحقيقية وتفرغ لمعارك قد خلت" موضحا أن "محاكمة التاريخ مفيدة في تحويله إلى اجتهاد بشري، ونزع التقديس عن أحداثه".

وختم الكاتب الفلسطيني حديثه بالتأكيد على أن المثقف ينبغي أن يكون متوافقا مع نفسه، فإن كان غيورا على العدل في زمن بني أمية، على سبيل المثال، فمن باب أولى أن يكون غيورا على غيابه في زمانه الحاضر، خاصة أن ضحايا غيابه اليوم لا يزالون يعانون، ويمكن إنقاذهم فهذا هو ميدان المعارك الحقيقية التي ينبني عليها عمل مثمر".