حتى تفهم ماذا يحدث بين اذرابيجان و أرمينيا، إليك بعض التفاصيل

حتى تفهم ماذا يحدث بين اذرابيجان و أرمينيا، إليك بعض التفاصيل
تونيزياليكس: 

يسألني كثير من الأصدقاء ماذا يحدث بالضبط بين أرمينيا وأذربيجان ؟ ما هو هذا الإقليم "كارباخ" الذي احتل فجأة العناوين الأولى في كل نشرات أخبار العالم؟

- إقليم كارباخ: لا تتجاوز مساحته 4 آلاف و800 كيلومتر مربع، يقطنه نحو 150 ألف نسمة من قومية الأرمن، تغلب عليه الطبيعة الجبلية. لدرجة أنك قد تحس بنفس الاحساس عند النزول من الطائرة عند الانتقال من الإقليم الى العاصمة الأرمينية يريفان . ( حدث هذا معي ).

- يمثل الإقليم حالة استثنائية في العلاقات الدولية يمكن أن أسميها "الديموغرافيا ضد الجغرافيا". لأن الأرض تنتمي لأذربيجان (وفقا للاعتراف الدولي) لكن السكان هم من قومية الأرمن. وبالتالي فأذربيحان تدفع بمنطق الجغرافيا حيث القرارات الدولية تعتبر الاقليم جزءا من أرضها، بينما أرمينيا تدفع بالديموغرافيا حيث لا علاقة للسكان بأذيبحان.

- يخضع الإقليم لأرمينيا منذ 1994 بعد حرب دامت سنوات أربع وقتل فيها 30 ألف شخص. (الاقليم يعتبر نفسه دولة مستقلة لكنه لا يحظى بأي اعتراف دولي بنا فيه اعراف أرمينيا) وعندما أردنا الدخول إليه حصلنا على تأشيرة خاصة.

- أذربيجان بدأت بدعم من تركيا الحرب ، وقررت أن تطبق القرارات الدولية كما تقول بنفسها .

- الوضع الميداني يشير حاليا إلى تقدم للقوات الأذرية أساسا بسبب الدعم التركي. فقد اقتربت من شوشي ثاني أمير مدينة في الإقليم، وإذا سيطرت على المدينة سيسهل عليها فيما بعد السيطرة على الإقليم بسبب وجود المدنية على مرتفع يطل على كل الإقليم بما يسهل عمليات القصف المباشر ويقطع الطريق أمام الامدادات القادمة من أرمينيا ( الطائرات المسيرة التركية خلقت الفارق في المعارك). لكن هذا التقدم غير كاف لحسم الحرب لأن أذربيجان تواجه معطى ديموغرافيا وإثنيا ليس في صالحها: لأنها حتى وإن سيطرت على الأرض فلن تتمكن مطلقا من السيطرة على الشعب.

- لهذه الأسباب تقول أرمينيا إن أذربيجان تقصف المناطق المأهولة بهدف طرد السكان لتسهل بعد ذلك السيطرة على الأرض. وقد نجحت في ذلك نسبيا. لم يبق في المناطق التي تتعرض للقصف إلا الرجال أقل من الخمسين وهم ممنوعون من مغادرته بحكم القانون، وقلة من النساء والأطفال يعيش معظمهم في الملاجئ تحت الأرض. ولكن رهانها أن تحسم المعركة قبل الشتاء لان البرد والضباب الذي يميز الإقليم

الحبلي الوعر لن يصب في مصلحتها.

- أرمينيا تحس بأنها تركت وحيدة في هذه المعركة: روسيا لم تتدخل رغم اتفاقية الدفاع المشترك، لذلك تحرص أرمينيا بشكل مستمر على القول بأن أراضيها تتعرض للقصف وليس فقط إقليم كارباخ وذلك بغية استدعاء هذه الاتفاقية، لكن الروس لديهم حسابات أخرى في هذه المرحلة، مرتبطة أساسا بترتيب العلاقات مع تركيا في سوريا وليبيا وأيضا بصفقة صواريخ اس 400 الموقعة مع أنقرة وغيرها. وحتى عندما طلب رئيس الوزراء البارحة الدعم الروسي تفعيلا لاتفاقيات الدفاع المشترك جاء الرد من روسيا مخيبا: سنتدخل إذا استهدفت الأراضي الأرمينية ( أي أن روسيا لن تتدخل فيما

يخص إقليم كارباخ).

- فرنسا التي تعتبر حليفا غربيا لأرمينيا بسبب الالتقاء الموضوعي في مواجهة تركيا ( الجمعية الوطنية الفرنسية اعترفت بإبادة الأرمن، ناهيك عن وجود ما بين 600 الى 700 الف ارمينيي يعيشون في فرنسا)، رغم ذلك فرنسا الاصطفاف المعلن إلى جانب أرمينيا كي لا تفقد "شرعية" وجودها وسيطا ضمن مجموعة مينسك كما ذلك وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان امام الجمعية الوطنية.

- الولايات المتحدة لا تبدو معنية في هذه المرحلة بحل الأزمة في مستواها الحالي ( توتر محدود في المنطقة بين تركيا وروسيا ليس أمرًا سيئا بالنسبة لواشنطن مادام لا يؤثر على إمدادات الغاز ولا يهدد الاستقرار الجيوستراتيجي في القوقاز الذي مازال يمثل في النهاية حديقة خلفية لروسيا).

- في ظل هذه المعطيات، لا تفتأ أرمينيا تشدد على استعدادها للعودة إلى اتفاقات وقف إطلاق النار الموقعة في 10 و 17 و 25 أكتوبر متى قبلت أذربيجان وتوفرت ما تسميها بآليات التحقق الدولي من احترام الهدنة.

لكن أذربيجان ترى في ما يحدث فرصة استثنائية، لأنه خلافا لحلفاء أرمينيا الذين يكتفون بالتصريحات الداعية الى التهدئة ومراقبة الوضع ( للتدخل ربما إذا تدهور الوضع أكثر أو مست مصالحهم بشكل مباشر) تتمتع هي بحليف معلن منخرط في الدعم بالسلاح والخبرة وربما بالمشاركة المباشرة هذا الخليل هو تركيا.

- "المجتمع الدولي" أكذوبة كبرى، والتحالفات غير المتوازنة وغير المبنية على مصالح متبادلة مجرد وهم. " المغطي بديال الناس عريان".

- في النهاية، الذين يدفعون ثمن الحروب هم أولئك الذين لم يشعلوها.

مؤلمة جدا مشاهد الأمهات في الملاجئ وهم ينتظرن خبرا عن أبنائهن في الجبهة. إحداهن قالت لي وهي تبكي إن أربعة من أبنائها كلهن في المعركة دون أي خبر عنهم.

———————————————————

هذه إضافة للتدوينة تفاعلا مع ما تفضل به بعض الأصدقاء مشكورين

الأصدقاء الأعزاء، هناك بعض النقاط المهمة وجب توضيحها:

- ما قدمت هو تحليل لبعض المعطيات وليس كلها لأن الموضوع طويل ومعقد وشائك. بعض المعطيات التي لم ترد في التدوينة يمكن للأصدقاء إضافتها لاني لا أزعم أن هذه التدوينة جامعة مانعة، وانما هي مساهمة في فهم ما يحدث، ولم أضمنها كل المعطيات لأنه لا الوقت ولا الكتابة بالهاتف تسمح.

- في قراءة الأحداث والتاريخ نحاول ما أمكن أن نتجرد من من الذاتية ومواقفنا المسبقة. ليس لأنك تدعم أرمينيا مثلا ستتهم أذربيجان بالمسؤولية عن خرق الهدنة والعكس صحيح.

- لا يمكن قراءة ما يحدث اليوم بمعزل عن التاريخ على الاقل خلال المائة عام الأخيرة ( منذ فترة الحكم السوفياتي) الذي فخخ المنطقة بأن جعل كارباخ وقد كانت من وقتها ذات أغلبية أرمينية ضمن أذربيجان ووضع جيبا آخر أدريا ضمن حدود أرمينيا. وقد كان الأمر مقصودا وفقا لما اطلعت عليه في معظم الوثائق التاريخية.

- مسألة التهجير وحركة اللجوء والفرار ثابتة بمعطيات تاريخية. النقاش مطروح فقط بشأن حجمها وفي تأثيرها على جغرافية وديموغرافية الإقليم. لكن المؤكد أن الديموغرافية في هذا الإقليم كانت دائما بأغلبية ساحقة للأرمن. وهذا الأمر كان مقصودا من قبل الحكم الشيوعي السوفياتي الذي ضم منطقة ذات أغلبية أرمنية الم أذربيجان ليحول المعركة الى معركة دينية وقد نجح في ذلك.

- هناك ثمان مدن/ بلدات تحتلها أرمينيا لا تنتمي الى تراب كارباخ بل تنتمي حصرا الى أذربيجان. استرجعت أذربيجان منها أربعة لحد اللحظة.

- من ينتصر عسكريا سيفرض شروطه لكن السيطرة على الأرض لا تكفي لوحدها دون اعتراف دولي ( متوفر لأذربيجان) ودون قبول للسكان الذين يعيشون فوق هذه الأرض ( هنا المشكلة). لذلك بغض النظر عن الحل العسكري، لا بد من تفاوض يتنازل فيه الطرفان ( كل حسب حجم ما أخذ) لإنهاء حقيقي للصراع والا فان المعركة يمكن ان تستمر ١٠٠ عام أخرى دون أن تهدأ المنطقة.

والله أعلم

مراسل الجزيرة، محمد البقالتي